الأسمدة الزراعية: استخداماتها وأضرارها وبعض أساليب الحد من التلوث بالأسمدة

ظهرت في العقود الأخيرة المخصبات الزراعية الصناعية (أو الأسمدة الكيميائية) كسمة بارزة من سمات الزراعة الحديثة لزيادة الإنتاج الزراعي، وتعويض نقص العناصر المغذية في التربة التي تخضع لزراعات مكثفة على مدار العام أو في أعوام متتالية. ولتحقيق الفائدة المرجوة من هذه الأسمدة، يتم إضافتها وفقاً لبرامج مدروسة، من حيث كمية ونوعية وتوقيت إضافة هذه الأسمدة، بما يتناسب مع طور نمو النبات وحاجته.

ولكن الإسراف والاستخدام العشوائي لهذه الأسمدة الكيميائية، يسبب أضرارا ونتائج كارثية أحياناً على التربة نفسها، وعلى المحيط الحيوي والبيئي، وهذا ما يؤكد على ضرورة الاستخدام العقلاني والمتوازن لهذه الأسمدة لتجنب تلك الأضرار.

نبذة عن تاريخ الأسمدة الزراعية

تعرف الأسمدة (أو الُمخصبات) الزراعية بأنها مواد طبيعية أو صناعية تزود النبات بعناصر غذائية ضرورية لنموه وتطوره وزيادة انتاجه. وتبعاً لمصدرها،

أنواع السماد

تصنف الأسمدة إلى صنفين رئيسيين هما:

الأسمدة العضوية (طبيعية)، والأسمدة الكيميائية (صناعية). وتضم الأسمدة الطبيعية مخلفات حيوانية ونباتية، بينما تحضر الأسمدة الكيميائية من مواد معدنية وكيميائية في مصانع متخصصة، معدة لهذا الغرض.

الأسمدة الكيميائية

وتصنف الأسمدة الكيميائية بدورها إلى أسمدة بسيطة تحتوي على عنصر واحد فقط (كالنتروجين مثلً)، أو أسمدة مركبة تحتوي على أكثر من عنصر في آن معاً، كالنتروجين والفوسفور (NP), أو النتروجين والبوتاسيوم ( NK ),أو النتروجين والفوسفور والبوتاسيوم معاً ((NPK ) وهي الأشهر والأكثر استخداماً في الزراعة.) كما يمكن أن تكون هذه الأسمدة سائلة أو صلبة أو غازية. وتبعاً للكمية التي يحتاجها النبات من العناصر المغذية المختلفة، تقسم هذه العناصر إلى عناصر رئيسية (أو كبرى،) وهي التي يحتاجها النبات بكميات كبيرة، وعناصر ثانوية (أو صغرى،) وهي التي يحتاجها النبات بكميات أقل، ولكنها ضرورية أيضاً.

وتضم العناصر المغذية الرئيسية تسعة مركبات وهي: الكربون والأوكسجين والهيدروجين والنتروجين والفوسفور والبوتاسيوم والكبريت والمغنيزيوم والكالسيوم.

أما العناصر الصغرى، فتضم الحديد والمنغنيز والبور والكلور النحاس والزنك والموليبيديوم. ويحصل النبات على حاجته من الكربون والأكسجين والهدروجين من الهواء والماء، وبالتالي لا تعتبر هذه العناصر أسمدة كيميائية بالمعنى الحرفي أو الصناعي للكلمة، علماً أنها تشكل بمجموعها ما يقارب 90بالمئة من وزن النبات الجاف، بينما هناك ضرورة ملحة لتوفير بقية العناصر في التربة (خاصة النتروجين والفوسفور والبوتاسيوم)، وتمثل هذه العناصر العصب الرئيسي لصناعة الأسمدة الزراعية في العالم.

وقد استخدم الإنسان على مر العصور بعض الأساليب الفعالة التي تساهم في إعادة التوازن الغذائي إلى التربة، ووقف استنزاف العناصر الغذائية منها كأنظمة التبوير على سبيل المثال، والدورات الزراعية.

حيث يعتمد مبدأ التبوير على زارعة التربة موسماً أو أكثر، ثم تركها بعد ذلك موسماً أو أكثر دون زارعة (بواًر) لإتاحة الفرصة للمواد العضوية والكائنات الحية النباتية والحيوانية بالتراكم والتحلل، لإغناء التربة من جديد لأن ما أخذ من التربة يعود إلى التربة، وما أخذ من الهواء يعود إلى الهواء. أما الدورات الزراعية، فتعتمد على تنويع أو مناوبة زراعة بعض الأنواع النباتية المختلفة، التي تتفاوت باحتياجاتها الغذائية، والقدرة على تثيبت النتروجين الجوي من خلل ما يعرف بالتعايش مع بعض أنواع الكائنات الدقيقة الجرثومية والتي بدورها تتمتع بقدرتها على تثبيت النتروجين الجوي، في عقد جذرية تنمو على جذور بعض الأنواع النباتية (خاصة البقوليات كالفاصولياء والبازلاء والعدس إلخ…).

يعود استخدام الأسمدة بصورتها الطبيعية إلى تاريخ الزراعة نفسها، عندما بدأ الإنسان بممارسة الزراعة كنشاط منظم ودوري قبل أكثر من 10آلاف سنة، في منطقة الهلل الخصيب وبلد الشام، بعد أن كان يعتمد في معظم نشاطاته على الصيد وجني الثمار والزروع التي تنمو طبيعياً على طريق حله وترحاله، بينما بدأت طلئع استخدام الأسمدة الصناعية في القرن التاسع عشر، مع بدأ الطفرتين الصناعية والزراعية في أوروبا ثم أخذت صناعة الأسمدة طابع التصنيع التجاري على نطاق واسع بعد الحرب العالمية الثانية.

ومع ازدياد عدد سكان العالم، الذي من المتوقع أن يصل إلى ما يقارب 10مليار نسمة بحلول عام 2050حسب تقارير الأمم المتحدة ( ،)4فإن الحاجة إلى تأمين مصادر غذائية، كماً ونوعاً، تزداد باضطراد.

زيادة الإنتاج الزراعي

ولتلبية الطلب المتزايد على الغذاء، لا بد من زيادة الإنتاج الزراعي لمواكبة زيادة التكاثر السكاني، من خلل طريقتين رئيسيتين هما.

  • الأولى أفقياً، وتعني استثمار مساحات جديدة وادخالها إلى حيز الاستثمار الزارعي،
  • الثانية عمود ، من خلل استخدام تقنيات حديثة تساعد على تكثيف الإنتاج في نفس المساحة المزروعة، كتربية أصناف نباتية جديدة مهجنة عالية الانتاجية، وزيادة تحمل النبات للضغوطات البيئية، بحيث لا تتأثر انتاجيتها كثيراً بالظروف السيئة، واستخدام الأسمدة المناسبة، والمكننة الزراعية التي توفر كثير من التكاليف والجهد والوقت.

وقد أدى استخدام هذه الأساليب إلى زيادات ملحوظة في الإنتاج الزراعي لمختلف المحاصيل الرئيسية في العالم. ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، ازداد انتاج الذرا من 2طن في الهكتار الواحد إلى حوالي 10طن في الهكتار ( ،)5أي بزيادة قدرها حوالي 80بالمئة. نفس الأمر ينطبق على معظم المحاصيل الزراعية المهمة في العالم (القمح، القطن، الشعير، البقوليات…إلخ)، والتي استفادت أيضاً من التقنيات الزراعية المكثفة، وأساليب التسميد المتنوعة، لزيادة النتاج بنسب متفاوتة، تبعاً للبلد ودرجة التطور والعناية بالزراعة.

ولكي تلبي النباتات حاجة الإنسان من الغذاء والدواء والكساء، ينبغي على الإنسان أيضاً أن يلبي حاجاتها من العناصر الغذائية والماء. وفي ظل الزيادة السكانية المتوقعة، لن يكون الرهان حول زيادة الإنتاج الزارعي وحسب، وانما أ على الحفاظ على نوعيته، وتعزيز قدرة الإنسان على الحصول على المنتجات الزراعية في الوقت والثمن والمكان الملئم، والحفاظ على استدامة وقدرة الأرض على الإنتاج، وكذلك تقليل الهدر والإسراف الغذائي.

وبالتالي، فإن استخدام الأسمدة مرجح للزيادة للمساهمة في رفع إنتاجية المحاصيل الزراعية، لمواكبة زيادة الطلب على الغذاء في ظل انحسار رقعة الأراضي الزراعية والزحف العمراني عليها وزيادة التصحر والجفاف وتدهور التربة الزراعية في كثير من المناطق. وبغض النظر عن كل هذه المعوقات، فإن تقليل الهدر الغائي وتوفير نصف كمية الأغذية المهدورة حالياً، كنفايات غذائية، يمكن أن يغذي ما يقارب 1,5مليار إنسان وهو ما يعادل ضعف عدد الجوعى في العالم حسب تقديرات المنظمة العالمية للزراعة والأغذية ( FAO).

بمعنى آخر، إن تقليل هدر الأغذية المنتجة حالياً كفيل لوحده بحل مشكلة المجاعة حلً ناجعاً، الأمر الذي يجعل الإسراف في استخدام الأسمدة الزراعية، والمواد الضارة الأخرى، كالمبيدات الزراعية على اختلف أنواعها كذريعة لزيادة الإنتاج الزراعي لتغذية الزيادات السكانية تبري اًر غير واقعي، وانما ربحي بالمقام الأول.

مساوئها وميزات الأسمدة الطبيعية

ومن أهم استخدامات وميزات الأسمدة الطبيعية، أنها تحسن من تركيب التربة وبنيتها وقدرتها على امتصاص الرطوبة، والاحتفاظ بها لفت ارت طويلة، كما أنها ناد اًر ما تكون سامة أو مؤذية للنبات أو البيئة.

أما أبرز مساوئها، فهي الحاجة إلى ظروف ملئمة (رطوبة وحرارة مناسبة لنشاط الجراثيم “البكتريا” المحللة للمادة العضوية) وهذه الشروط قد لا تتوفر على مدار العام في كل المناطق، مما يجعل فعالية هذه الأسمدة بطيئة نوعا ما، تحت ظروف غير ملئمة.

أما الأسمدة الكيميائية، فهي سريعة التحلل، وبالتالي فعاليتها آنية، وتحتوي على نسب معروفة من العناصر الغذائية المضافة مقارنة مع الأسمدة الطبيعية. ولكن للأسمدة الكيميائية مساوئ كثيرة أيضاً وخطيرة، أخطر بكثير من الأسمدة العضوية، أهمها السمية المباشرة أو المزمنة للنبات والإنسان والحيوان والنظام البيئي بصورة عامة.

ولقد ساهم التقدم العلمي والتقني في المجالات الزراعية، والتقنية المرتبطة بها، في إحداث قفزة نوعية وكمية هائلة في الأساليب الزراعية المتبعة في الزراعة، وتحويلها من عمل يدوي فردي لإنتاج الكفاف إلى نشاط تجاري وصناعي منظم ومدروس. كما أصبحت الزارعة حقلً علمياً بامتياز، يخضع لشروط التجربة والاستقصاء والمقارنة.

ونظراً لأن الزارعة هي أساس الحضارة، فغالباً ما يرتبط التقدم الزارعي بالتقدم في المجالات الأخرى، الأمر الذي يجعل الدول المتقدمة صناعياً تحتل الم اركز الأولى من حيث المردود العالي والاستخدام المنظم للأسمدة الزراعية.

ويقدر استخدام الأسمدة الزراعية في العالم حالياً، من العناصر الثلثة الرئيسية (نتروجين، فوسفات، بوتاس) بحوالي 180مليون طن، معظمها في البلدان النامية وفقاً لتقارير المنظمة الدولية لصناعة الأسمدة (باريس، IFA ).

ولكن مع التنوع الكبير للترب الزارعية (رملية، ضحلة، عضوية، بركانية الخ)، فإن هناك بوناً شاسعا لتأثير الأسمدة المضافة على إنتاجية النبات.

  • ففي الترب الخصبة، جيدة التهوية، تزدهر النباتات وتعطي أفضل انتاجيتها.
  • أما في الترب الفقيرة والضحلة، فغالباً ما تعاني النباتات وتنخفض انتاجيتها إلى الحضيض، حيث تصارع للبقاء على قيد الحياة وليس للإنتاج.

ولمواجهة هذه التحديات، تعتبر الأسمدة الزراعية إحدى الوسائل الزراعية المتبعة لكبح نتائج تدهور التربة، ورداءة خصائصها. ولكن للأسمدة الكيميائية، سلبيات وأض ارر كثيرة أ كما ذكر آنفاً، تتفاوت من حيث درجة الخطورة، وتتعلق بنوعية المنتج الزراعي، وسميته للإنسان والحيوان والنبات، وتأثيرها السلبي على الموارد البيئية الأخرى، كالماء والهواء والدواء وهو موضوع الفقرة التالية.

الأضرار البيئية والصحية للأسمدة الكيميائية

عندما تتجاوز الكميات المضافة من الأسمدة الكيميائية نسباً معينة، وهذا ما يحدث في كثير من الأحيان من خلل إضافات متكررة غير مدروسة، وعشوائية في كثير من البلدان، سيكون لها تأثيرات سلبية كثيرة، مباشرة أو غير مباشرة، على النظام الحيوي خاصة والبيئي عامة. أما الانعكاسات المباشرة، فهي على المكونات الحية للنظام البيئي، بما فيها صحة الإنسان والحيوان والنبات نفسه. أما التأثيرات غير المباشرة، فتنعكس سلباً على مكونات النظام البيئي اللحيوية (ماء، هواء، تربة)، فتحدث خللً في تركيب عناصرها وتوازنها الطبيعي.

فالتسميد النتروجيني، على سبيل المثال، يعد أحد أهم التطبيقات الزراعية التي تساهم في تلويث الماء والغذاء والهواء .

أما التسميد الفوسفاتي، على المدى الطويل، فيزيد من المخاطر البيئية والتلوث ببقايا بعض العناصر المعدنية السامة كالرصاص والزرنيخ والكادميوم , ويساهم أيضاً في تعديل كثير من الخصائص الكيميائية والفيزيائية للتربة كدرجة الحموضة ( pH ),والتي بدورها تؤثر على كمية ونوعية الكائنات الحية المفيدة. كما أن لدرجة حموضة التربة، تأثير تضادي أو تآزري بين العناصر الغذائية، حيث يزداد امتصاص بعض العناصر على حساب عناصر أخرى، عند درجة حموضة أو قلوية معينة، فتصبح بعض العناصر غير السامة في الأصل سامة وخطيرة للنبات.

كما أن درجة الحموضة ونسبة كلور الكالسيوم تؤثران على كفاءة تطهير التربة المزروعة بالرز وملوثة بالمعادن الثقيلة .

ويكمن خطر العناصر السمادية أ ، ومشتقاتها، في إمكانية دخولها إلى مكونات السلسلة الغذائية (نبات، حيوان، إنسان)
وتركزها تراكمياً في المستويات الغذائية المتتالية، ويكون خطرها أكبر في مناطق العمران المكثف والمدن المكتظة بالسكان.

من ناحية أخرى، يعتبر تسرب النترات إلى المياه الجوفية من أهم مخاطر التلوث بالسماد النتروجيني في بعض البلدان، التي تشكل فيها المياه الجوفية المصدر الرئيسي الشرب.

ففي ألمانيا، على سبيل المثال، حيث 75بالمئة من مياه الشرب هي مياه جوفية، تشير بعض التقارير إلى أن تلوث المياه الجوفية يؤدي إلى زيادة نسبة الإصابة بسرطان المعدة عند الكبار، ومتلزمة الطفل الأزرق عند الصغار ( .)3كما أن دورة عنصر النتروجين في الطبيعة وتسربه بين الوسط الأرضي والبحري والهوائي يؤدي إلى تشكيل عناصر أو مشتقات نتروجينية أخرى ذات سمية عالية يترسب بعضها في قاع المحيط مؤث اًر على البيئة البحرية ومكوناتها.

 وللتسميد المعدني طويل المدى أضرار سلبية أيضاً على تنوع بعض الفطريات الجذرية المفيدة للتربة الزراعية .

وفي دراسة أجريت في كوريا لتقفي بعض أضرار التسميد في حقل أرز، تبين أن التسميد الآزوتي يزيد من معدل تسرب مشتقات النتروجين كالأمونيا ( NH3 )والأمونيوم ( NH4 )والنترات (-NO3 )والنتريت ( NO2).

وفي دراسات أخرى كثيرة، تبين وجود علقة وثيقة بين مياه الشرب الملوثة بمشتقات نتروجينية، ومخاطر الإصابة بسرطان المعثكلة (البنكرياس) والدماغ والمعي الغليظ والمثانة والغدة الدرقية .

كما أن هناك تأثير غير مباشر للسماد النتروجيني على متوسط عمر بعض الطيور البحرية، والتي تبين أنها أعمارها تناسبت عكساً مع كميات الأسمدة المضافة في بعض المناطق الساحلية في الدانمارك، علماً أن حجم بيوضها ازداد طرداً مع نسبة السماد النتروجيني المستخدم .

وفي دراسة حديثة أخرى، تبين أن السماد النتروجيني يؤثر ليس فقط على حجم حشرات المن التي تتغذى على نباتات مسمدة بالنتروجين، كفريسة وانما أيضاً على حجم ومعدل حياة الحش ارت التي تتغذى بدورها على حشرة المن, الأمر الذي يؤكد التأثير السلبي للنتروجين في السلسة الغذائية وتراكمه فيها.

وفي محاولة لمقارنة ما إذا كان تراكم العناصر السمادية الثقيلة في التربة يختلف بين حقل مكشوف وآخر مغطى، تبين أن الاستخدام المكثف طويل الأمد للأسمدة الكيميائية والعضوية في حقل خضروات مكشوف، أو ضمن بيت بلستيكي، يؤدي إلى
تراكم عناصر معدنية ثقيلة، كالخارصين (الزنك) والنحاس ومعادن أخرى، ولكن نسب التراكم في حقل مكشوف مزروع بمحصول بذري أقل منها في حقل مغطى مزروع بمحاصيل خضار .

ويمكن عزو هذا الاختلف، بين المحاصيل البذرية والخضرية، إلى قدرة المحصول البذري على امتصاص وتخزين المعادن
في أجزاء النبات وبذوره، مما يزيد من سمية البذور المستهلكة.

إن استنزاف مخزون العناصر الغذائية من التربة في البلدان النامية يعتبر أحد أهم المظاهر الخفية وراء تدهور الترب الزراعية في تلك البلدان.

كما أن استهلك اللحوم هو أحد أهم محفزات استخدام النتروجين في الزارعة، وبالتالي فمن المتوقع أيضاً أن يزداد استخدام التسميد النتروجيني في كثير من البلدان وكذلك أضراره.

وتبلغ نسبة الزيادة المتوقعة في استخدام التسميد النتروجيني في الولايات المتحدة على سبيل المثال 30بالمئة خلل الثلثين سنة القادمة، وما لم يكن هناك تغير جذري في نمط الغذاء، والأساليب الزراعية الهادفة إلى تخفيض استخدام النتروجين، فإن زيادة استخدامه ستسبب بزيادة تسرب النتروجين إلى الشواطئ المحاذية للحقول الزراعية, وما ينتج عن ذلك من مخاطر صحية وبيئية جمة، تستدعي استخدام وسائل حساسة للكشف عن بقايا وآثار العناصر المعدنية السامة لتخفيف أضرارها قبل وقوعها، وهو موضوع الفقرة التالية.

طرق الكشف عن الأسمدة الكيميائية في البيئة

الكشف عن العناصر الضارة هو أحد أهم دعائم الإدارة الناجحة والعوامل المؤثرة في استخدام الأسمدة في النظم الزراعة التجارية، بغض النظر عن حسابات الربح والخسارة، والتي غالباً ما تكون عاملً حاسماً، وسلبياً في كثير من الأحيان، في استخدام الأسمدة والإسراف فيها دون الالتفات إلى الأضرار الكامنة التي يمكن أن تنجم عنها لاحقاً.

وغالباً ما تتسبب الاستغلل المفرط في الزراعة، دون التفكير بالعواقب أض ار اًر بيئية وصحية بالغة تجعل من استخدام الأسمدة العضوية والكيميائية بشكل متوازن ومدروس ضرورة ملحة من أجل زارعة مستدامة وانتاج وفير وبنوعية صحية ضمن إطار إدارة متكاملة وعقلنية للمشاريع الزراعية. ولتفادي الأضرار الخطيرة والكامنة للأسمدة الكيميائية وسميتها، لا بد من استخدام أساليب وطرق فعالة للكشف عنها مبك اًر قبل أن تت اركم ويتفاقم تأثيرها وخطرها على النظام البيئي.

وتتباين الطرق المتبعة للكشف عن العناصر السمادية في البيئة، تبعاً لنوع العنصر السمادي المستخدم.

فلتقدير كمية النترات مثلً، يمكن استخدام طريقة إرجاع الكادميوم اللونية Colorimetric cadmium reduction methodفي قياس مستويات النترات في المياه الجوفية ومعرفة مدى تغيرها بمرور الوقت .

كما يمكن استخدام طريقة الكشف متعددة النظائر (تتبع عدة نظائر في آن معاً) أو مزدوجة النظائر كالنتروجين والبور أو النظائر المستقرة للنتروجين والأوكسجين ,أو باستخدام أكثر من طريقة في نفس الوقت، كطريقة تتبع النظائر وكواشف كيميائية معينة، كبعض المستحضرات الطبية أو الغذائية.

إلا أن طريقة تتبع النظائر تعاني من بعض العيوب، وتقل فعاليتها ودقتها عندما تتعدد مصادر النترات المتتبعة, ولهذا ُيستعاض عنها أحياناً بطرق أخرى أكثر نجاعة، مثل التبادل الأيوني باستخدام الراتنج, أو إرجاع الكادميوم والتي تسمح بقياس نسبة النترات، ليس فقط في الماء وانما أيضاً في التربة والأنسجة النباتية والسوائل الحيوية الوظيفية.

ويمكن أيضاً تحليل نسبة النترات في العينات الحيوية باستخدام طريقة الفصل اللوني (الكروماتوغرافيا).

ومن طرق الكشف الأخرى للعناصر السامة، هناك طريقة تحليل طيف امتصاص الأشعة السينية، بالقرب من حافة المادة (أي قياس كمية الأشعة الممتصة في جزء سطحي، غير عميق، من المادة الُمحللة) للكشف عن الفوسفور, أو تحليل طيف امتصاص المواد المجزأة بالليزر، للكشف عن الكروم والنحاس والرصاص والزنك .

بعض الأساليب الممكنة للحد من التلوث بالأسمدة الكيميائية والعناصر السامة

للتقليل من كمية وسمية بعض العناصر السمادية في البيئة، يمكن اتباع بعض الأساليب التي تتفاوت في درجة فعاليتها وكلفتها ومردودها. يمكن على سبيل المثال استخدام مثبطات النترتة (مثل DMPP ) لمنع تحول النتروجين إلى نترات سامة في الأراضي التي تخضع للتسميد النتروجيني، مما يقلل من تسرب النترات مع مياه الأمطار ( .)45كما يمكن التخفيف من آثار النترات في المياه الجوفية باستخدام مشتقات حمض الخل (الخلت) .

كما يمكن استخدام ثنائي أمونيوم الفوسفات, أو مخلفات قشور البيض وسيقان الموز, أو حمض الفوسفور , أو أكسيد المغنيزيوم , لتثبيط وتقليل ذوبانية وسمية بعض العناصر المعدنية الثقيلة،

كالكادميوم والرصاص والزنك في الترب الملوثة بها، بالقرب من المصاهر المعدنية. كما يمكن استخدام الفحم الحيوي أو النباتي لتقليل سمية بعض العناصر المعدنية في التربة والمياه الجوفية، أو في الأوساط السائلة.

ويمكن أيضاً تخفيف سمية الرصاص والنحاس والكادميوم والزنك في الأوساط السائلة باستخدام بعض المواد النشطة سطحيا أو المواد البركانية التي لها خاصية امتزاز قوية كالبنتونيت- Bentonite أو سكوريا التي تقوم بتثبت العناصر السامة على سطحها، وبالتالي تخفف من تسربها وسميتها. كما يمكن استخدام طريقة الفحم النباتي أيضاً لإ ازلة الملوثات العضوية والمعدنية، كالأمونيوم والفوسفات من المحاليل والأوساط السائلة, وتتميز هذه الطريقة بأنها رخيصة وفعالة ومتوفرة.

وأخيراً، تبقى الطريقة الأكثر نجاعة وفعالية وأقلها تكلفة وأماناً في الحد من سمية العناصر المعدنية الصناعية، هي استبدال الأسمدة الكيميائية بالأسمدة الطبيعية، ما أمكن، والاستخدام العقلني والمتوازن للأسمدة الكيميائية نوعاً وكماً.

فقد تبين أن كمية الأسمدة التي تقل عن 300كغ/هكتار لا تؤدي إلى تراكم كبير للعناصر السمادية السامة في التربة.

اترك تعليقاً